ابن تيمية
154
المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية
قلت : هذا الثاني جواز قياس غيره عليه . والأول جواز قياسه على غيره ومنع لكونه مخصوصا من جملة القياس . والتحقيق : أنه وإن كان مخصوصا من جملة القياس فهو مخصوص من قياس معين لا من كل القياس . وإنما يخص لمعنى فيه يوجب الفرق بينه وبين غيره . فإذا قيس عليه غيره بذلك المعنى لم يناف ذلك كونه مخصوصًا من ذلك القياس الأول . وحقيقة هذا كله : أنه هل يثبت الحكم على خلاف القياس الصحيح في نفس الأمر ؟ فمن يقول بالاستحسان من غير فارق مؤثر وتخصيص العلة من غير فارق مؤثر ويمنع القياس على المخصوص يثبت أحكاما على خلاف القياس الصحيح في نفس الأمر ، وهذا هو الاستحسان الذي أنكره الأئمة كالشافعي وأحمد وغيرهما . وهم تارة ينكرون صحة القياس الذي خالفوه لأجل الاستحسان . وتارة ينكرون مخالفة القياس الصحيح لأجل ما يدعونه من الاستحسان الذي ليس بدليل شرعي . وتارة ينكرون صحة الاثنين فلا يكون القياس صحيحا ، ولا يكون ما خالفوه لأجله صحيحا ؛ بل كلا الحجتين ضعيفة . فصل وقد تدبرت عامة هذه المواضع التي يدعي من يدعي فيها من الناس أنها تثبت على خلاف القياس الصحيح ، أو أن العلة الشرعية الصحيحة خصت بلا فرق شرعي من فوات شرط أو وجود مانع ، أو أن الاستحسان الصحيح يكون على خلاف القياس الصحيح من غير فرق شرعي فوجدت الأمر بخلاف ذلك كما قاله أكثر الأئمة كالشافعي وأحمد وغيرهما . وإن كان الواحد من هؤلاء قد يتناقض أيضا فيخص ما يجعله علة بلا فارق مؤثر كما أنه قد يقيس بلا علة مؤثرة .